الشيخ محمد رشيد رضا
369
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نقول في الجواب عن هذا : كيف يصح هذا المقال وقد رأينا الكثير من الأغنياء وذوى اليسار يطردون نساءهم مع أولادهن فتربى أولادهن عند أقوام غير عشيرتهم لا يعتنون بشأنهم ولا يلتفتون إليهم وكثيرا ما رأينا الآباء يطردون أبناءهم وهم كبار مرضاة لنسائهم الجديدات ويسيئون إلى النساء بما لا يستطاع حتى إنه ربما لا يحمل الرجل منهم على تزوح ثانية الا إرادة الاضرار بالأولى وهذا شائع كثير . وعلى فرض تسليم ان ذوى اليسار قائمون بما يلزم من النفقات لا يمكننا إلا أن نقول كما هو الواقع ان انفاقهم على النسوة وتوفية حقوق الزوجية من القسم في المبيت ليس على نسبة عادلة كما هو الواجب شرعا على الرجل لزوجاته . فهذه النفقة تستوى مع عدمها من حيث عدم القيام بحقوق الزوجات الواجبة الرعاية كما أمرنا بهالشرع الشريف ) فإذا لا تمايز بينهم وبين الفقراء في أن كلا قد ارتكب ما حرمته الشرائع ونهت عنه نهيا شديدا ، خصوصا وأن مضرات اجتماع الزوجات عند الأغنياء أكثر منها عند الفقراء كما هو الغالب . فان المرأة قد تبقى في بيت الغنى سنة أو سنتين بل ثلاثا بل خمسا بل عشرا لا يقربها الزوج خشية أن تغضب عليهمن يميل إليها ميلا شديدا ) وهي مع ذلك لا تستطيع أن تطلب منه أن يطلقها لخوفها على نفسها من بأسه فتضطر إلى فعل ما لا يليق وبقية المفاسد التي ذكرناها من تربية الأبناء على عداوة اخوتهم بل وأبيهم أيضا موجودة عند الأغنياء أكثر منها عند الفقراء ، ولا تصح المكابرة في انكار هذا الأمر بعد مشاهدة آثاره في غالب الجهات والنواحي وتطاير شره في أكثر البقاع من بلادنا وغيرها من الأقطار المشرقية فهذه معاملة غالب الناس عندنا من أغنياء وفقراء في حالة التزوج بالمتعددات كأنهم لم يفهموا حكمة اللّه في مشروعيته بل اتخذوه طريقا لصرف الشهوة واستحصال اللذة لا غير وغفلوا عن القصد الحقيقي منه وهذا لا تجيزه الشريعة ولا يقبله العقل فاللازم عليهم حينئذ اما الاقتصار على واحدة إذا لم يقدروا على العدل كما هو مشاهد عملا بالواجب عليهم بنص قوله تعالى ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا « تفسير النساء » « 24 رابع » « س 4 ج 4 »